التقيته في الممشى، بدآ كلانا مألوفا للآخر، بادرني بالمصافحة وابتسامة اتسع لها فمه الضيق وعينيه الغائرتين.تصالحت حركات أقدامنا المتهادية في الهرولة مع عبارات ترحيب ومجاملة احتوتها نسمة رائعة في مغارب منتصف أغسطس لم يتوقعها أولئك الذين تناثروا بطول الممشى لا يشغلهم شيء غير قتل المسافات والنظر للإمام.
وعلى الرغم من إنني لم أكن متحمسا لأن أبطأ من إيقاع سيري لكي أجاري إيقاعه الابطأ غير إنني اضطررت إلى أن افعلها على سبيل المجاملة كي أتمكن من الاستماع إلى تساؤلاته والرد عليها، والتي كان في معظمها جأر بالشكوى من تردي حالته الصحية وانشغاله كثيرا بعمل الفحوصات للاطمئنان.وعلى الرغم من إن إجاباتي لم تكن شافية لغليله فقد استمسك بذراعي كمن قبض على شي ثمين لن يسمح بان ينفلت منه،وظل يثرثر مثل قطار خرج عن سيطرة سائقه ومن المستحيل إيقافه.
كنت قلقا ومغتاظا جدا بشأن إيقاعي البطيء في المشي والذي لم احسب حسابه وانظر بحسد للذين يهرولون بمنتهى الجدية من خلفي وأمامي وأجدني وأنا أتأبط ذراعه ويسير جواري مقوس الظهر كعاشقين يتهاديان على كورنيش النيل.
استسلمت أخيرا لحالتي الراهنة وقررت أن استمتع بنسمة المغرب التي زارتنا على غير توقع و أحاول التركيز في محتوى ثرثرته حتى لا يكشفني ويتهمني بإهماله وتجاهله خاصة وانه الطبيب الكبير والذي يحمل فوق ظهره المقوس 65 عاما من الدوران في متاهة الاغتراب والحيرة .
لم يكن لدى خيار في أن احترم هجومه الحاتمي ورغبته الشديدة في اختراق الحواجز والمسافات وقهر الدعوة للضيافة وتناول التبولة وفنجان القهوة . وعلى الرغم من إن اعتذاري كان بنفس قوة الدعوة الحاتمية للرجل غير إنني أيقنت فداحة ما يعانيه من قهر الوحدة و الجوع لدرجة النهم لصديق حتى وان التقاه على سبيل المصادفة في ممشى يمضى فيه العشرات بإيقاعات سير مختلفة ، وأفكار مختلفة ، وجنسيات مختلفة ، واديان مختلفة ، ولغات مختلفة ،ووجوه مختلفة وأسمال مختلفة . يمرون خلف بعضهم البعض ، وأمام بعضهم البعض ،وحتى عندما يتجاورون لا يتكلف احد منهم لآخر بمجرد إيماءة تحية .
خرج فجأة من أزمته الصحية المزعومة وفحوصاته المتلاحقة الى غزة التي يحاصرها اليهود برا وبحرا وجوا ، التمعت عينيه الضيقتين بدمعة لم يتمكن من دسها بين جفنيه ، رأيت تلك الدموع تظهر وتختفي مع نغمات صوته عن الطائرات الاباتشي التي تهدم البيوت وتقتل الناس في السيارات في شوارع غزة ،وعن البوارج الإسرائيلية التي تقف على الساحل تمنع الصيادين وتصوب مدافعها لكل من يجرؤ على الاقتراب. وتهدج صوته تماما وطفرت الدمعة أخيرا على خده الأيمن ناصع البياض لما تجاوز قلقه ورأي المصفحات الحديدية تخترق الشوارع والبيوت وأجساد البشر وتمضى بلا توقف .
أيقنت في تلك اللحظة إنني قد افقد زمام السيطرة على انفعالاتي مثلما فقد ذلك الطبيب الفلسطيني السيطرة على انفعالاته على الرغم من الهدؤ الذي ميز ملامحه في البداية . وتبادلنا الحديث عن الموقف الحالي وشجاعة المقاومين والأمل في أن تتغير الأوضاع . غير انه على ما يبدو قرر توجيه الضربة القاضية لمركز التحكم لدي في السيطرة على انفعالاتي . قالها ولكن بنبرة اقل انفعالا يبدو ناويين يفنشوني موش ها يجددوا عقدي السنة القادمة وموش عارف ها روح فين؟ معي وثيقة سفر سورية با فكر أسافر اشتري شقة هناك اقعد فيها أنا والمرة والعيال ويكملوا تعليمهم هناك.
اختلطت عباراته السريعة المتلاحقة بثنايا جلده المكرمش وعروقه النافرة مثل أنابيب مشقوقة طوليا على امتداد ذراعيه وتخللت رقبته فتجلت مثل صرخة زاعقة تكاد تتفجر مع همسات الرجل وانزواء بصره داخل أسفلت الممشى الجامد ونسمات المغرب الصيفية التي لبست ثيابا ربيعيا ربما كان لها الفضل الأعظم في تخفيف التوتر وعنف الزعقة .
تابع مسترسلا دون ادني اهتمام لانفعالاتي : أرسلت لشخص معرفة هناك يبحث ويرد عليا ... ماذا افعل ؟ أين اذهب بعد أن تنتهي اقامتى ... أنا هنا منذ كنت طفلا بالمدرسة الابتدائية ، قرابة خمسون عاما ، نشأت وتعلمت وعملت طول عمري هنا ؟ وألان أين اذهب ؟. المشكلة في الأولاد لابد يكون لهم مكان مستقر يتعلمون ويعملون ويتزوجون ، أبنائي مازالوا صغارا أكبرهم تدخل الجامعة هذا العام
لا تستغرب تزوجت كبيرا وأنجبت متأخرا . لم أتابع كلماته اللاحقة
كنت بدأت اشعر بالإرهاق وثرثرته تتلاحق ،والممشى يفرغ من الناس ، ونسمة المغرب بدت تتبدل برطوبة غير قابلة للتحمل والاستمرار ... وصديقي الفلسطيني مازال يمضي مع ثرثرته وأيامه وحيرته وتوهانه في الممشى ...
رايته بعد أيام يمضى وحده بعيدا عن الممشى هذه المرة . لم يرفع نظره عن الأرض بدا منشغلا، شاردا،حائرا ، تائها ، لعله يبحث عن بيت العائلة في الخليل . أو عن موطئ لقدم في الضفة المحتلة الموصدة أبوابها بالمزاليج ، أو لعلها غزة المحاصرة بالبوابات والمتاريس والطائرات والبوارج.أو ربما منشغل بالبحث عن واسطة لوكيل الوزارة لعلهم يجددون عقده وتمتد إقامته لمدة عام آخر .
د.احمد الباسوسي
يونيو 2008
كتبها د.احمد الباسوسي في 09:15 مساءً ::
تائها هو بين ممشي الواقع وانات الوجع الحبيس بصدره ..
وصبر يحمله اوجاع فوق كاهليه وصولا لتقوس احتماله...
وبين ممشي افتراضي يثرثر بوحدته يتبطأ زراع رفقة مؤقتة يرتضيها ويفترضها رغم انفها...
هو حال الجميع دكتورنا الغالي..
كنة ألم تتصيد رفيق بممشي التوهان...
القاص الرائع وجدااا..
تقديري لحرفك وفكرك سيدي..
شاكر جدا مرورك الجميل وشاكر جدا تعليقك الذي ربما فاق في ابداعه ماكتبت ، وتلك عظمة النقد الجميل . اشكرك جزيل الشكر عزيزتي المبدعة بحق
الاسم: د.احمد الباسوسي
