اولا: الكحوليات
د.احمد ابراهيم الباسوسي
albasosi@ hotmail.com
انها الرحلة الطويلة قطعها الانسان (وما يزال) مع المخدرات والادمان ، وعرة ومرهقة بحثا عن السعادة أو بمعنى أدق الاعتقاد فيما يسمى بالسعادة ، والجهد الانساني على مدى التاريخ المكتوب وغير المكتوب لم يتوقف لحظة واحدة عن البحث والنبش والاستطلاع والتطلع والخيال ، انها الحضارة التي نحياها الآن .
المحصلة النهائية لتراكم الجهود الانسانية على مدى التاريخ وهي شاهد حي على ان الانسان كائن حي نشط فعال ،تواصلي وذو خيال أيضا ، وكما بحث الانسان في طرائق الوصول لتكيف أفضل مع الطبيعة بمختلف عناصرها ، بحث أيضا في طرائق لاستعداء وتدمير الآخر ، وهكذا سار النقيضين متوازيين ، اعمار في جهة ، وخراب ودمار في الجهة الاخرى .
ولكي يعيش النقيضين معا لا بد من البحث بدأب في الطبيعة عن مادة أو مواد تسهل فرص التعايش لهذين النقيضين معا ، وبغض النظر عن اي اجتهاد لتفسير ذلك السعي الانساني لتغيير حالته الانفعالية والمزاجية عن طريق مواد من الطبيعة فالثابت من وجهة النظر العلمية هو اقتران التعاطي بجملة من الطقوس والمناسبات الاجتماعية الدالة ونجد على سبيل المثال ان تناول المشروبات الكحولية اقترن في الصين القديمة بعدد من المناسبات الاجتماعية الهامة منها تقديم الاضحيات للآلهة أوللأسلاف ومنها اتخاذ قرار قبل الخروج الى معركة حربية أو الاحتفال بانتصار ما ، أوحلف اليمين بولاء ما ، وكذلك احتفاليات الزواج والميلاد ولم الشمل و الاجتماع حول الموت .
و تشير المراجع الموثوق بها ان الكحوليات تعتبر من أقدم المواد النفسية التي تعاطاها الانسان (ان لم تكن اقدمها على الاطلاق) وتعتبر الصين من أسبق المجتمعات الى معرفتها وتصنيعها منذ عصور ما قبل التاريخ ، اذ عرف الصينيون القدامى عددا من عمليات التخمير الطبيعية لانواع مختلفة من الطعام منذ تلك العصور الضاربة في القدم ، ومن ثم عرفوا الطريق الى تصنيع أنواع مختلفة من هذه المشروبات التي كانوا يطقون عليها كلمة جيو jui ، وترجمتها النبيذ أو الانبذة وتفنن الصينيون في ابتكار أنواع منه مثل النبيذ الاصفر المصنوع من تخمير الارز ، ويعد من أقدم الانبذة تاريخيا ، وتم تصنيع عدة انواع منه باختلاف نوع الارز ذاته .
أيضا النبيذ الابيض وهو نوع مقطر ، وعرف الصينيين طريقهم في تصنيع هذا النوع المقطر من أنواع معينة من البطاطس والحنطة وبعض الجذور النباتية التي تحتوي على النشاء ، وكان هناك أيضا نبيذ البيرة وبالنسبة لنبيذ العنب استورد الصينيون صناعته مع اول اتصال لهم مع الغرب ، وكان ذلك حوالي سنة 200 قبل الميلاد ، أيام اسرة هان التي ارسلت اول بعثة دبلوماسسية للاتصال بالامبراطورية الرومانية ، ويذكر المؤرخون ان معرفة صناعة نبيذ العنب كان لها بالغ الاثر في ابتكار مزيد من الطرق لصناعة الانبذة من سائر الفواكه الاخرى كالتفاح والكمثرى والبرتقال ...الخ .
والى جانب ما يمكن تسميته بالانبذة ذات الوظيفة الترويحية سالفة الذكر، ظهرت صناعة انواع جديدة من الانبذة اطلق عليها انبذة ذات وظيفة دوائية يشار اليها بعبارة ياو جو yao jiu وكانت تستخدم لتنشيط الشهية وتنشيط الدورة الدموية وخفض التوترات أو ما نسميه الآن بضغط الدم المرتفع ، وتخفيف الآلام الروماتيزمية وعلاج نزلات البرد ، وذكر المؤرخون انه كان قد استقر نوع من الذوق العام الذي يختلف في تفضيله هذا النوع او ذاك من الانبذة باختلاف موقعه من خريطة الصين المترامية الاطراف ، ففي الشمال يفضلون الانبذة البيضاء (المقطرة) ، وفي الجنوب يفضلون انبذة الارز الصفراء ، بينما نجد الاعناب والفواكه عموما يلقى القبول في جميع انحاء الصين .
والحضارة الاغريقية استخدمت الكحوليات بشكل واسع كما استخدمت غيرها من المخدرات ، وينبه المؤرخون الى الاشارات التي وردت في الادب الاغريقي الشهير خاصة في ملحمة هوميروس الالياذة والاوديسا التي يرجع تاريخها الى 800 سنة قبل الميلاد التي تحوي اشارات عديدة عن الخمور وعما يعانيه بعض الابطال من تأثير الخمر عليهم .
وفي الامبراطورية اليوناية قبل الميلاد كانوا يمارسون طقوسا للاحتفال بباخوس Bacchus اله الخمر عند الرومان في مهرجان صاخب من السكر والتهتك والاباحية ، الامر الذي دفع بالرومان في مطلع القرن الاول الميلادي الى سن قوانين صارمة ضد السكر ، ويذكر المؤرخون ان ان هناك اشارات تاريخية لافتة للنظر في الحضارة المصرية القديمة تخص الكحوليات ، اذ يقرر المؤرخ الروماني الشهير بلوتارك ان المجتمع المصري القديم عرف الكحوليات منذ عهود قديمة .
لكن ملوك المصريين لم يكونوا يشربونها ولا يتقربون بها للالهة لانهم كانوا يرون ان هذه المشروبات انما هي في حقيقتها عبارة عن دم الكائنات التي وقفت يوما من الايام في وجه الآلهة تعارضها وتقاومها ، فلما ادركها الموت وتحللت اجسادها تفجرت هذه الانبذة (الكحوليات) من هذه الجثث المتعفنة ، وما مظاهر السكر والعربدة التي تصدر عن الشاربين الا نتيجة لامتلاء ابدانهم بدماء أعداء الآله .
وخلاصة الامر تشير المراجعة التاريخية الى عدة حقائق نجملها على النحو التالي :
أولا: ان النشاط الانساني متصل ومتراكم ، وان الحاجة للبحث عن مادة مغيرة للمزاج هي حاجة انسانية في الاساس مرجعها الى ازمنة بالغة القدم (آلاف السنين قبل الميلاد) وليست وليدة ظروف أو تعقيدات حضارية معينة .
ثانيا: ان نشأة وتطور صناعة الكحوليات (الانبذة) في الحضارات القديمة ، وعلاقة تداول هذه المشروبات بطقوس اجتماعية وانسانية معينة يلفت الانتباه لمدى ازمانية المشكلة وجديتها في نفس الوقت ، وعلى العاملين في مجالات العلاج والوقاية ادراك هذا البعد التاريخي للمشروبات الكحولية والتحسب له في برامجهم الخاصة في المجال .
ثالثا: تظل البلاد الاسلامية (وفقا لتقارير الباحثين الغربيين) خارج حزام الانتشار الكحولي الادماني مقارنة ببقية دول العالم على اتساع ثقافاته وحضاراته وحتى سياقاته الاجتماعية ، وفسر الباحثين هذا الأمر على اعتبار ان الدين الاسلامي حرم الخمر على المسلمين ، الامر الذي نبه الباحثين الى اهمية ، بل ضرورة الاستفادة من تفعيل المعتقدات الدينية الراسخة سواء كانت نصوصا قاطعة أو اجتهادات في مواجهة الادمان الكحولي خاصة والسلوك الادماني بوجه عام .
كتبها د.احمد الباسوسي في 01:57 مساءً ::
الاسم: د.احمد الباسوسي
