ثانيا :الافيونات
د.احمد ابراهيم الباسوسي
باحث وكاتب صحفي
albasosi@ hotmail.com
وقصة الانسان مع الافيون ومشتقاته تختلف عن قصته مع الكحول من حيث غرض الاستخدام وكذلك الطقوس التي قد تحيط بهذا الاستخدام ، فكما ذكرنا سابقا ارتبط تعاطي الكحول بجملة من الطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية التي على اساسها سعى الناس لتصنيع وتعاطي الكحوليات والاستمرار عليها حتى يومنا هذا ، لكن القصة تختلف بالنسبة للافيون ومشتقاته ، اذ تشير الوثائق التاريخية الى وجود استخدامات طبية للافيون منذ مايقرب من سبعة الآف سنة قبل الميلاد ، وفي هذا الصدد تشير بردية ايبرز الى ان الافيون كان يستخدم في علاج المغص عند الاطفال ، وكذلك تشير الوثائق التاريخية الى ان نبات الخشخاش والافيون كانا معروفين في بلاد سومر حيث كان السومريين يشغلون المنطقة التي تسمى الان شمال سوريا والعراق في الالفية الثالثة قبل الميلاد وعن طريق بلاد سومر وجد نبات الخشخاش والافيون طريقه الى كل من الهند والصين . وأيضا ورد ذكره في ملاحم هوميروس باعتباره الدواء الذي يهدئ الألم والغضب ويمحو من الذاكرة كل آثار الحزن ، وكذلك وصفه سلسوس وديسكوريس وبليني للعلاج من ضيق التنفس وللمساعدة على النوم ونبهوا الى خطر الموت التي قد يترتب على زيادة جرعته .
وهكذا يتضح ان رحلة الانسان مع الافيون بدأت بغرض معالجة البدن ومداواته من الامراض والعلل ، وكان الرومان مثل الاغريق غزاة لبلاد كثيرة الامر الذي نتج عنه اتصالهم بحضارات اخرى وبالتالي تناقلت المخدرات مع تلك الاقطار ، وتشير المراجع العلمية ان غزو الرومان للمنطقة الشرقية من حوض البحر المتوسط في القرن الاول الميلادي عرفهم بالافيون ، ويصف ديوسكوريد وهو جراح اغريقي سافر مع الجيش الروماني في غزواته في كتابه الطبي المادة الطبية De كيف انه يمكن اعداد علاج طبي من الافيون عن طريق استخراج عصارة نبات الخشخاش وهو النبات الذي يستخرج منه الافيون . أيضا أصبح جالينوس علامة الطب الشهير في القرن الثاني الميلادي من المؤيدين لأكل الافيون كنوع من العلاجات بالنباتات ، واستمرت تعاليم جالينوس هذه لقرون عديدة فيما يعرف بالجالينيات في الطب .
ووصف الحكيم العربي الكبير ابن سيناء استخدام بذور الخشخاش في علاج ذات الجنب ويعرفه ابن سيناء في قاموسه بانه التهاب غشاء الرئة ، كما وصف استعمال الافيون في علاج بعض أنواع القولنج وهو المغص ، كذلك ذكر داود الانطاكي في تذكرته المعروفة باسم تذكرة أولي الالباب والجامع للعجب العجاب تحت اسم خشخاش ، وقال في هذا الصدد انه (اي الخشخاش) يراد به النبات المعروف في مصر بابي النوم وهو ينمو بريا وقد يزرع أيضا . ومنه يستخرج الافيون ، وقال في وصف آثاره انه اذا دق بجملته رطبا وقرص كان مرقدا جالبا للنوم، مجففا للرطوبة ، محللا للاورام ، قاطعا للسعال وأوجاع الصدر الحارة ، وحرقة البول والاسهال المزمن ، أما بذره (اي الخشخاش) فنافع لخشونة الصدر والقصبة وضعف الكبد والكلى ويصب طبيخة على الرأس فيشفى صداعه وانواع الجنون كالبرسام والماليخوليا .
لكن يبدو ان شيوع هذا الاتجاه العلاجي لنبات الخشخاش والافيون الضارب في القدم وعلى الرغم من جاذبيته بين الناس غير انه لم يصمد امام اساءة الاستخدام التي تعاظم انتشارها فيما بعد لهذه النبتة السحرية ، فالناس هم الناس منذ بداية الخليقة ليومنا هذا ، والسلوك هو السلوك ، بل والمزاج هو المزاج ايضا ، فسرعان ماذاعت اسرار ما تحدثه هذه النبته السحرية على مزاج الشخص ووعيه ، وعلاقتها المباشرة بتخفيف الألم وتسكينه بين العامة والخاصة ، ومن هنا سرت حمى اساءة الاستخدام فالتعاطي فالادمان ، وكان لابد للانسان ان يتوسع في زراعة هذه النبته وتصنيعها وتصنيفها والتعامل مع كل جزء فيها .
بدأت زراعة القنب في الانتشار كما تطورت اساليب تعاطي هذا المخدر ، ففي حوالي القرن الرابع الميلادي صار ينتج في الهند نوع من القنب يعرف باسم سوسروتا وشاع كاستخدام محلي في ذلك الوقت ، واخذ استخدامه مستويات نوعية وهي : مستوى تحدده مادة البهانج وهو المستوى الادني حيث تخمر مادة القنب في الشاي وتتعاطاها الطبقات الدنيا من الهنود . ثم مستوى يحدده تعاطي مادة الجانجا وهو مستوى أقوى ، ويتم تعاطيها عن طريق التدخين ويشيع هذا المستوى عند الطبقات الوسطى . اما المستوى الثالث فبحدده تعاطي مادة الكاراس وهو المستوى الكثر قوة في اعداده (مكافئ لمادة الحشيش) ، وتعد في شكل توليفة نزوانية مع جوز الهند وعسل النحل ، ويتعاطاها الافراد من الطبقات الغنية في المجتمع الهندي . ويمكن القول ان نبات الخشخاش والافيون كانا معروفين في الهند والصين ، لكن يبدو كما تذكر المراجع ان الافيون استقر في الهند قبل الصين بزمن طويل ، وانتشر تعاطيه بين الهنود سواء عن طريق الاكل أو التدخين او الشرب .وظلت الهند تستخدم الافيون في تبادلاتها التجارية المحدودة مع الصين الى ان قررت شركة الهند الشرقية في اوائل القرن التاسع عشر ان تضعه ضمن احتكاراتها ، ثم اتجهت به الى محاولات التسويق بالقوة في اسواق الصين . في هذه الظروف اشتهر في التاريخ الانساني تعاطي الافيون بشكل وبائي في كل الصين ، وصار تدخين الافيون ظاهرة شائعة فيها ، وفي عام 1650 م جرى الاعتراف بان تدخين الافيون يمثل مشكلة صحية خطرة ، وحاول المانشو وهي الاسرة الحاكمة في الصين ان تقيد استيراد الافيون الى الصين غير انها عجزت امام القوة الاقتصادية لشركة الهند الشرقية الانجليزية التي بدأت بتسويقة من مستعمراتها بالهند في عام 1767م وسعى حكام الصين لتجريم تدخين الافيون في عام 1776م لكن هذا الجهد الوطني فشل في كبح جماح الشهية للافيون ، وفي عام 1839م صعد الحكام في الصين من اجراءاتهم وقوانينهم لمنع استيراد الافيون وامروا بمصادرة ممتلكات كل المستوردين من اصحاب السفن وحجز كل المراكب والسفن المستخدمة في هذه التجارة وكانت النتيجة تلك الحرب الشهيرة بين الصين وانجلترى المعروفة بحرب الافيون الاولى مابين عامي (1839-1842) ، ومنيت الصين بهزيمة عظمى في هذه الحرب وللحديث بقية العدد القادم .
كتبها د.احمد الباسوسي في 04:25 مساءً ::
الاسم: د.احمد الباسوسي
