الباسوسي

مدونة ثقافية علمية فكرية وقد نتطرق لامور في السياسة بحكم تشابك الواقع الثقافي المعرفي الفكري والعلمي

السبت,حزيران 28, 2008


ثانيا :الافيونات

د.احمد ابراهيم الباسوسي

  باحث وكاتب صحفي

albasosi@ hotmail.com

                             توريد الافيون بالقوة والمعاهدات!

  انتهت قصة حرب الافيون الاولي (من 1839-1842) بان فرضت انجلترا ارادتها على الصين ونتيجة لذلك وقعت الدولتان معاهدة نانكين عام (1943) . وبمقتضاها استولت انجلترا على هونج كونج ، وفتحت اسواق الصين امام الافيون الهندي ، وفتحت معظم المواني الصينية الكبرى امام البضائع الغربية بحد اقصى للضرائب الجمركية (5%) ، واعفي الرعايا الاجانب من الخضوع للقانون الصيني . وشجع ذلك الولايات المتحدة الامريكية فضغطت على الصين ووقعت معها معاهدة مماثلة عام (1844) .  ثم اندلعت حرب الافيون الثانية عام (1856) ونتج عن هذه الحرب ان اجبرت الصين بناءا على الاتفاقية المبرمة في تينيتسن  tientsin عام (1858) على السماح باستيراد الافيون الخاضع لتعريفات جمركية عالية. وكان من أهم النتائج بعيدة المدى التي ترتبت على ذلك الانتشار الواسع لادمان الافيون بين جميع فئات الشعب الصيني ، حتى قدر عدد المدمنين في عام(1906) بنحو خمسة عشر مليونا ، وقدر في عام (1920) بنحو (25%) من مجموع الذكور في المدن الصينية ، واستمرت هذه الاوضاع المتردية في الصين حتى اكتوبر عام (1950) عندما اعلنت وزارة الصحة الصينية في حكومة ماوتسي تونج بدء برنامج فعال للقضاء على تعاطي الافيون وتنظيم تداوله .

                             خلط الاوراق والافكار في حرب الافيون !

  كان تبرير انجلترا اثناء حروب الافيون انها تشجع ايضا شحن الافيون بالسفن الى شواطئها اذ كان هذا المخدر في الواقع عنصرا مشتركا في الطب الانجليزي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، لكن قوبل هذا الأمر باحتجاج بعض الاطباء ضد استخدام هذا المخدر كدواء علاجي عام لكل الامراض ، واعتقدوا انه يمكن اعطاؤه فقط عند الضرورة القصوى ، وفي مرحلة تالية ذهب الاطباء الى تحريمة تماما ، وبالرغم من ذلك انتشر استخدام الافيون ومشتقاته في جميع انحاء انجلترا واوربا وشمال امريكا ، وكذلك استخدمت الافيونات لتاثيراتها التسممية    ( التخديرية ) وايضا لاغراض طبية . وقراءتنا لهذه الوقائع انما تشير الى غلبة البعد الاقتصادي وتأثيرة في مسألة اقحام الافيون بهذه الصورة على شعب يتميز بكثافة سكانية مرتفعة على هذا النحو ، ومن ثم تصبح مسائل مثل الاستخدامات الطبية للافيون مجرد ذرائع لتبرير الاعتداء والسيطرة على مفاتيح التجارة الدولية حتى لو كانت افيون ومخدرات .

                                   حكاية الهند مع العرب و الافيون

  ظلت استخدامات الافيون في الهند تتأرجح بين التعاطي والادمان من ناحية والتطبيب من ناحية اخرى . ويقال ان المسئول عن ادخاله ضمن ممارسات الطب الهندي هم العرب في القرن التاسع الميلادي ، وتذكر المراجع الموثوق بها ان الطب العربي في الهند عرف باسم  unani Tibbi اي الطب اليوناني نظرا لاصوله اليونانية ، ولم تقتصر المؤلفات الطبية العربية على وصف الافيون بل زادت على تضمينه في كثير من وصفاتها الطبية . ومن بين هذه الاضطرابات التي يعالجها الطب العربي في الهند بواسطة الافيون  الارق ، الاستثارة العصبية ، الاسهال ، الدوسنتاريا ، التهاب الاعصاب ، والآلام الروماتيزمية ، ومن الخصائص التي يذكرها للافيون انه منوم ، ومسكن للاوجاع ، ومخثر للدم ، وممسك ، ويجدر بالذكر ان هذا النوع من الطب لا يزال يمارس في الهند كجزء من الطب الشعبي وخاصة في القرى الهندية .

                                      الافيون ... والادباء ؟

  صار الافيون موضوعا ومادة للادباء ، ففي كتاب توماس دي كوينسي  اعترافات كاتب انجليزي آكل للافيون الذي صدر عام (1822) ابتدع مصطلح مهدئ   Tranquilizer  لوصف تأثير الافيون ، وبين في هذا الكتاب الفوائد الالهامية  للافيون من وجهة نظره بالطبع  وفي فرنسا شاع عن بعض الادباء مثل الشاعرين ثيوفيل جوتييه و شارلز بودلير ولعهم بتعاطي الحشيش مع زمرة من المتعاطين له في الاربعينات من القرن التاسع عشر ، وكذلك ابتدع المفكر السويدي ماجنوس هس مصطلح الكحولية أو ادمان الكحوليات . وعلى الرغم من جاذبية الفكرة الشائعة بوجود علاقة قوية بين الابداع وتعاطي الحشيش أو الافيون وانتشارها بقوة بين اوساط العامة والمثقفين على اعتبار ان الافيون أو الحشيش انما يعملان على تسهيل تدفق الافكار الابداعية الاصيلة باشكالها المختلفة (شعرا ونثرا) ، والاستدلال على ذلك ببعض النماذج التي قدمت ما اصطلح بتسميته ابداعا فائقا وهي تحت تاثير هذه المخدرات ، لكن تجئ الحقائق العلمية لتثبت العكس ، وتبين ان لا علاقة للابداع بتعاطي المخدرات ، بل العكس فان  ابداع الشخص يتأثر سلبا من جراء تعاطيه المخدرات ، وان الافراد اللذين ابدعوا وهم تحت تأثير المخدر  انما فعلوا ذلك على الرغم من تعاطيهم المخدر ، ولو لم يتعاطوا المخدر ربما كان انتاجهم الابداعي أكثر غزارة واعمق اصالة .

                                 الافيون ... والاطفال ؟

  تبين في مسح اجري في المجتمع الانجليزي عام (1842) ان الامهات وبخاصة من الاسر العاملة والفقيرة كن يلجأن الى تخدير أطفالهن بالافيون ، ويصف فريدريك انجلز في كتابه احوال الطبقة العاملة في انجلترا الذي صدر عام (1844) الجرعات الكبيرة والمتزايدة من المخدرات التي كانت تعطى للاطفال في تلك الفترة ، وهي نفس الفترة التي ذكرنا سلفا انه  شاع فيها استخدام الافيون كدواء في المدن الكبيرة والمناطق الصناعية في انجلترا، الامر الذي ادى الي تدهورا في صحة الاطفال وتزايد معدلات وفياتهم ، ومن ثم تعالت بعض الدعوات التي تنادي بتحريم وتجريم المخدرات ، وبالتحذير من اعطاء المخدرات أو بعض مشتقاتها الى الاطفال وهو الامر الذي كانت تفعله الممرضات أو الامهات بهدف ان يخلدوا للنوم  وذلك لما لها من عواقب مميتة  وللحديث بقية في العدد القادم .   

   

 

   

 

 



في04,تموز,2008  -  09:49 مساءً, عمر الرفاعى كتبها ...

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اخى فى الله
ارجو منك ان نكون اخوة فى المعرفه
ونتبادل الحوار فيما بعد ولابد ان يكون حوارنا قائم على الاسلام والدين الحنيف

عمر الرفاعى
مصر
والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته

في04,تموز,2008  -  09:55 مساءً, د.احمد الباسوسي كتبها ...

اسعدني مرورك وتعليقك يا استاذ عمر ومرحب بيك اخ عزيز